نور الدين عتر
106
علوم القرآن الكريم
يبين وجه استدلالهم بالآية ، أو يدفع استدلال المخالفين بآية احتجوا بها على الحنفية . ومن الأمثلة تفسيره لقوله تعالى : وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ فقد فسّر آتُوا بمعنى أعطوا و الْيَتامى بما بعد البلوغ ، مجازا باعتبار ما كان ، وفائدة المجاز الإشارة إلى الإسراع بدفع ما لهم إليهم حتى كأنّ اسم اليتم لم يزل عنهم ، لأنه لا يسمى يتيما بعد البلوغ . وهذا ظاهر لا تكلف فيه . ثم فرّع على هذا التفسير وجوب دفع مال اليتيم إليه إذا بلغ خمسا وعشرين سنة أخذا من قوله تعالى : وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ، لأن الآية الأولى لم تشترط إيناس الرشد لإيتاء المال إلى اليتيم ، فجعلها فيما إذا بلغ خمسا وعشرين سنة ، والثانية اشترطته فجعلها فيما دون ذلك ، لانعقاد الإجماع على أن لا يدفع له المال قبل الخامسة والعشرين ، يعني ولا إجماع بعد ذلك فاستعمل الآية فيه ، وهو مذهب الحنفية « 1 » . وهو استدلال بعيد كتفسير للآية ، وإن كان يمكن أن يقال : إن هذا السن مظنّة بلوغ الرّشد ، فيعامل معاملة تحققه ، دفعا لطمع الأوصياء في مال اليتيم . وربما شدد الجصاص الهجوم على مخالفي الحنفية من الأئمة ، وكانت أجواء المنافسات والمناظرات تهيّأ لذلك خصوصا في بغداد مما ينبهنا إلى أن لا نتأثر في عصرنا بمثل هذه المؤثرات ، وقد كثرت ولا حول ولا قوة إلا باللّه . ومن أمثلة ذلك قوله تعالى : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا .
--> ( 1 ) أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 54 - 59 .